الاثنين، 18 مايو، 2009

غسق

اصدقائي الاعزاء، احسست برغبة جامحة للكتابة مثل الايام الخوالي، وخرجت بما ستقرؤون الان،،

أولا لا ادري هل هذه فقط خاطرة او خربوشة، ربما اكملها فتصبح قصة قصيرة،،

ويمكن ازيدها شوي واحلم قال اني اعملها روايه

لا ادري..

على كلن احترت ماذا اسميها

ولكني ارتحت في النهاية الى كلمة "غسق" لكثرة المعاني التي تحملها هذه الكلمة،، على الاقل بالنسبة لي

أرجو ان تستمتعوا


البارحة كان يوما عاديا كغيره من الأيام حتى الساعة الثانية بعد الظهر حين دق جرس نقاله واتاه صوت عمه خائراً كحصان أضناه طول السباق وعلو الحواجز، قائلا: " عمي الله يرضى عليك في مجال تيجي عالمستشفى عشان ابوك تعبان شوي؟". بهدوء فوضوي اجاب "ولا يهمك عمي مسافة الطريق انشاء الله". طلب إذن مغادرة الحقه بطلب تكسي وذهب في لمح البرق الى المستشفى، ما ان وصل هناك ورأى تلك الاعداد المتكومة من اقاربه الذين لم يرهم منذ دهور حتى أيقن بان الامر جلل، اخذ نفسا عميقاً وتوجه الى عمه الكبير وسأله بهدوئه العاصف "انشاء الله خير يا عمي، وين ابوي؟" رفع عمه عيناه بصعوبة لتلتقي بعيني ابن اخيه ورمق ريقه كانه يبتلع اخر قطرة ماء موجودة على هذه الكرة الأرضية وقال له"أبوك توفى بجلطة قبل ساعتين".

صمت هنيهات قليلة محاولاً استيعاب الكلمات القليلة التي نطق بها عمه للتو، ود لو يصفع عمه وينعته بالكاذب، ود لو يصرخ صرخة مدوية، ولكنه تذكر فلسفته الخاصة به في التعامل مع هذه المواقف، فقد سبق ان تخيل هذا الموقف حتى يتمكن من التعامل معه بافضل اسلوب، ولكن يبدو جلياً الآن بان الحقيقة تختلف اختلافا كلياً عن الخيال، ولكنه عقد النية على ان يكون سيد الموقف، فهناك من يحتاجون اليه قوياً كجبل في موقف كهذا.

دخل الى الغرفة المجاورة التي كان تحديق عمه في بابها كفيلا بأن يخبره بانها الغرفة التي يرقد فيها أبوه، أغلق الباب برفق المنتهي من صلاته، وتوجه الى السرير الوحيد في تلك الغرفة بخطوات فقير خارت معدته جوعاً وسما رأسه كبرياءً، كان صوت بكاء اخته التي تكبره بثلاث سنوات قد غلب على نحيب اخته واخيه الصغيرين، وشاركهما البكاء ابن اخته ذي السنتين الذي لا يعلم ما حصل ولكنه يشارك الاخرين البكاء حتى لا يشعر باختلافه عنهم.

قبل رأس ابيه ويده، وحضن الصغيرين، ونظر بعينيه الحانيتين الى اخته الكبيرة التي توقفت عن البكاء حين راته وكأنها وجدت في صلابته عوناً على مصابها، وقال لها: "شو فرقت؟ اربعين ولا خمسين ولا ستين ولا سبعين، بالاخر ميتين ميتين، الدور علي بخاف ربه وبحسب حساب هيك موقف، وأبوكي بإذن الله هلا بكون مبسوط في الجنة، واحنا بنركض ورى هالدنيا وهمومها" نطق اخر كلمة وتوقف بعد ان حالت غصة دون اكماله لكلامه، كتم صرخة مقهورة في حلقه، وأعدم دمعتين في مقلتيه، وطرد جزعاً من قلبه، وأنكر رجفة في يديه، ورجى قدميه الا تخوناه الآن.

خرج من غرفة ابيه المتوفى وقال بصوت ما زال يستل سيفه رغم الجراح المثخن بها: " يا اخوان الناس اللي بتآمن بربنا لما تصيبهم مصيبة بقولوا انا لله وانا اليه راجعون،والله يحسن خاتمتنا جميعا، والوالد بحاجة لدعواتكم وصلاتكم" وتوجه الى عمه وطلب منه ان يساعده في اجراءات الدفن، فلا خبرة له فيها، فلم يمت أحدا له من قبل سوى امه التي وافتها المنيه قبل بضع سنوات اثناء دراسته في الخارج ولم يرها ولم يودعها لأن أباه فضل ان لا يخبره في ذلك الوقت لأنه كان في فترة امتحانات مهمة.

جلس في بيت الاجر يستقبل المعزين، ويشرب القهوة ويدخن السجائر ويجبر تلك البسمة أن تستقر على شفاهه اطول فترة ممكنة، رأى في دخان السيجارة امه التي كانت تقبله كل صباح وقت ذهابه للمدرسة، وكيف كانت تساعده في دروسه وتعاقبه حين لا يحل الواجب، تذكر صراخها ووعيدها، حنانها وهدهدتها، وانينها في الليل وهي تقاسي الام المرض، أمه ماتت وهي في اواخر الثلاثينيات، وأبوه ها قد توفي في نصف العقد الخامس، اما هو فسيتم ثلاثة عقود عما قريب، لا يعرف هل يفكر في طموحه الذي يحتاج عقدين آخرين، ام يفكر في امكانية موته في سن مبكرة كأمه وأبيه.

يبدو بأن امرا اخر كان يقلقه أكثر،هي التي انتظرته طيل دراسته الجامعية، وانتظرته ثلاث سنوات اخريات كي يعد نفسه، وها هو الموعد اقترب، ولكن جدّ هذا الخطب فماذا عساه يفعل، بدأ ذلك الشريط يعرض نفسه، وانسدلت الستائر لتغطي الحاضرين، لم يعد هناك الا هو وهي في زقاق حيهم على بعد شارع من بيتها وشارعين من بيته، لم تكن من النوع الذي يتحدث كثيراً، ولكنها كانت تنظر بنهم، أدمنته على نظراتها حتى اصبحت هذه النظات عنصراً اساسياً في نظامه الغذائي اليومي.

تذكر ذلك الموقف بكل تفاصيله حين قطف لها تلك الزهرة التي زرعها في قارورة وضعها على شباك غرفته وسقاها لمدة شهرين حتى اصبحت زهرة يانعة، قطفها وذهب بها اليها في عيد ميلادها السابع عشر، وحين التقيا خلسة في الزقاق المعهود نظرا الى بعضهما البعض دونما الكلم طويلا حتى مل النظر نفسه من نظرهما، وحينما تجرأ وهم بإعطائها الوردة ارتجفت يداه واحمر وجهه ولكن ليس اكثر من احمرار وجهها، احس بأن عملية نقل الزهرة من يده ليديها هي عملية تسليم مخدرات او اسلحة يقوم بها مجرم ساذج قد احترف هذه التجارة مؤخراً.

أحسوا بحركة بعض الأشخاص، انفصلا عن بعضهما البعض وكل ذهب في طريقه، يا الله كم حزنت هي، ولكن اعظم من حزنها كان حزن الزهرة، ذرفت كماً كبيراً من الدموع قبل ان تصل بيتها، دخلت غرفتها فوجدت الزهرة على ارضية الغرفة مربوطة بحجر وورقة مكتوب عليها " حرام ان يحرم توامين من بعضهما" لعله كان يقصد هو وهي، ولكنها فهمتها انه يقصدها هي والزهرة، ولكنه يعرف الان بانه كان يقصد المعنيين.

ابتسم حين تذكر بكائها بعد الثانوية عندما قرر الدراسة في الخارج، باركت له واثنت عليه لانه حصل على منحة ممتازة، وندبت حظها بتوجيه نظرها الى زاوية بعيدة عنه وبهز كتفيها قائلة: " بكرة بيعجبوك البنات التانيين اللي برة وبتنساني، أصلا شو بعرفك انا يمكن كمان انساك" فابتسم ابتسامة طفولية وقال لها: " اللي بيكزب وين بروووح؟" فقالت له: "بروح عالنارن بس النار اهون علي من بعدك عني" وانهارت باكية.

لم يرها في يوم من الايام اجمل من يوم استقبالها له في المطار، كانت كحورية بحر تجلس على صخرة في وسط البحر تأخذ قسطا من الشمس، ذابلة عيونها كعيون طفل يغالب النعاس ، منسدل شعرها ينازع اشعة الشمس بهاءها، كانت فرحة كفرح عصفور حديث الفقس جلبت له امه دودة في منقارها، كانت دافئة تمتزج بهواء عليل كليالي أيار.

" عظم الله اجركم" افاق على هذه الجملة التي انتقلت من افواه جماعة جاؤوا لتعزيته وتعزية عائلة الفقيد، كانت هذه الجملة كفيلة بان توقظه على الواقع وان توضح له الوضع الراهن أكثر، فهو الآن مسؤول عن أخ عمره تسع سنوات وأخت عمرها سبع سنوات، كم ود لو تاخرت هذه الجماعة حتى يستطيع على الاقل ان يستمتع ببعض المواقف التي جرت في السنة الأخيرة، حيث كانت اكثرها حباً وعشقاً وولهاً...

ربما يتبع...

بقلمي: صالح دوابشة
رام الله – التاسع عشر من شهر ايار لعام الفين وتسعة
1:40 صباحا

ليست هناك تعليقات: